24- السلام على يزيد بن حصين الهمداني المشرقي القاري المجدل (بالمشرفي).{ (المشرقي) بطن من همدان, قالوا: كان رجلاً شريفاً بطلاً من أبطال الكوفة وناسكاً من عبادها, له ذكر في الحروب والمغازي.

الكشي في رجاله ص53 طبعة الهند:

فيما ورد عن حوار الأصحاب ليلة عاشوراء - أن حبيب بن مظاهر خرج وهو يضحك فقال له يزيد الحصين الهمداني: ما هذه ساعة ضحك! قال حبيب: وأي موضع أحق بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور.

قالوا: وكان من خيار الشيعة, وممن بايع مسلماً فلما خذل مسلم بن عقيل خرج من الكوفة فمال إلى الحسين عليه السلام وكان معه إلى أن حالوا بين الحسين عليه السلام وبين الماء فقال للحسين: ائذن لي يا بن رسول الله في أن آتى عمر بن سعد مقدم هؤلاء فأكلمه من الماء لعله أن يرتدع, فأذن له, فجاء المشرقي إلى عمر بن سعد وكلمه في الماء فامتنع ولم يجبه إلى ذلك فقال له: هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والدواب وتمنعه عن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته والعترة الطاهرة يموتون عطاشاً وقد حلت بينهم وبين الماء, وتزعم أنك تعرف الله ورسوله, فأطرق عمر بن سعد ثم قال: يا أخا همدان إني لأعلم ما تقول وأنشأ:

دعاني عبيد الله من دون قومه***إلى بدعة فيها خرجت لحين

فو الله ما أدري وإني لواقف***أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي***أم أرجع مطلوباً بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها***حجاب وملك الري قرة عيني

ثم قال: يا أخا همدان, ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك ملك الري لغيري. فرجع يزيد بن حصين الهمداني المشرقي إلى الحسين وأخبره بمقالة ابن سعد, فلما سمع الحسين عليه السلام ذلك أمر أصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق وجعلوا جبهة واحدة يكون القتال منها.

ثم أن عسكر ابن سعد برزوا لمقاتلة الحسين عليه السلام وأصحابه, وأحدقوا بهم من كل جانب ووضعوا السيوف في أصحاب الحسين ورموهم بالنبال وهم يقاتلوهم إلى أن قتل من أصحاب الحسين عليه السلام نيفاً وخمسين في الحملة الأولى, والهمداني كان يقاتل معهم وقد قتل في هذه الحملة رضوان الله عليه.}

25- السلام على عمر بن كعب الأنصاري.{ لم أعثر على حياته ولعله من الذين قتلوا في الحملة الأولى (نعم) أورد في الزيارة الرجبية: (السلام على عمرو بن كعب) وقد اختلفوا في ضبط اسمه (عمر - عمرو - عمران).}

26- السلام على نعيم بن العجلان الأنصاري.{ نعيم بن عجلان الأنصاري.

إن نعيم وأخواه نعمان بن عجلان ونضر بن عجلان من الشجعان المعروفين ومن الشعراء البارزين وقد حضروا صفين مع الإمام أمير المؤمنين.

وكان نعمان بن عجلان والياً من قبل أمير المؤمنين على البحرين وعمان.

وقد برز نعيم في الحملة الأولى وبقي يقاتل حتى استشهد فيها.}

27- السلام على زهير بن القين البجلي { زهير بن القين البجلي. خرج زهير بن القين بعدها قتل ابن عمه سلمان بن مضارب البجلي, فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذناً:

أقدم هديت هادياً مهدياً؟***اليوم ألقى جدك النبيا

وحسناً والمرتضى علياً***وذا الجناحين الفتى الكميا

وأسد الله الشهيد الحيا

فقال الحسين: وأنا ألقاها على أثرك.

فخرج وهو يرتجز:

أنا زهير وأنا ابن القين***أذودكم بالسيف عن حسين

إن الحسين أحد السبطين***أضربكم ولا أرى من شين

فقتل مئة وعشرين رجلاً ثم عطف عليه كثيراً بن عبد الله الشعبي والمهاجر بن آوس التميمي فقتلاه.

فوقف عليه الحسين وقال:

لا يبعدنك الله يا زهير ولعن قاتليك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.

وزهير بن القين شخصية لامعة ذات مواهب متعدد يكفي أن الحسين - لما عبأ جيشه للقتال - جعل زهير بن القين على الميمنة وحبيب بن مظاهر على الميسرة.

ولما أذن الحسين لأصحابه بالانصراف مساء اليوم التاسع من المحرم قال زهير بن القين:

والله وددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف مرة وأن الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.

وقبل أن يشتبك الجيشان في يوم عاشوراء خرج زهير بن القين - إلى معسكر عمر بن سعد - على فرس ذنوب وهو شاك في السلاح فخطب قائلاً:

يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله, إن حقاً على المسلم, نصيحة أخيه المسلم, ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف, وأنتم للنصيحة منا أهل, فإذا وقع السيف انقطعت العصمة, وكنا أمة وأنتم أمة. إن الله ابتلانا وإياكم بذريته نبيه محمد لينظر ما نحن وأنتم عاملون. إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد, فإنكم لا تدركون منهما إلا سوء عمر سلطانهما, يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل, ويقتلان أماثلكم وقراءكم, أمثال حجر بن عدي وأصحابه, وهاني بن عروة وأشباهه.

فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا: لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً.

فقال زهير: عباد الله! إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية, فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم, فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد, فلعمري أنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.

فرماه الشمر بسهم, وقال: اسكت أسكت الله نأمتك, أبرمتنا بكثرة كلامك.

فقال زهير: يا بن البوال على عقبيه! ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أضنك تحكم من كتاب الله آيتين, فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال الشمر: إن الله قاتلك وصاحبك, عن ساعة.

فقال زهير: أفبالموت تخوفني؟ فوا الله للموت معه أحب لي من الخلد معكم.

ثم أقبل على القوم رافعاًً صوته وقال: عباد الله! لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجاني وأشباهه , فوا الله لا تنال شفاعة محمد قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته, وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم .

فناداه رجل من أصحابه: إن أبا عبد الله يقول لك: أقبل فلعمري لأن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ.

وعندما خرج الحر بن يزيد الرياحي, خرج معه زهير بن القين يحمي ظهره, فكان إذا شد أحدهم واستلم واستنقذه ففعلا ذلك ساعة ولما أراد الحسين إقامة للصلاة في يوم عاشوراء وقف زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي أمامه يقيانه السهام والسيوف والرماح.}

القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الانصراف: لا والله لا يكون ذلك أبداً, اترك ابن رسول الله أسير في يد الأعداء وأنجو, لا أراني الله ذلك اليوم.{ سلام بر (زهير بن قين بجلي) که به حسين عليه السلام در حالي که به بازگشتن اجازه داده بود، عرض کرد:

به خدا سوگند اين کار نخواهد شد. آيا فرزند رسول خدا را که گرفتار واسير در دست دشمنان رها کنم ورهايي يابم؟ خداوند اين روز را نياورد.}

28- السلام على عمر بن قرظة الأنصاري.{ فی بعض النسخ عمر بن قرطة.عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي.

استأذن الحسين وبرز مرتجزاً:

قد علمت كتيبة الأنصار***أني سأحمي حوزة الذمار

ضرب غلام غير نكس شار***دون حسين مهجتي وداري

فقاتل قتالاً شديداً حتى أثخن بالجراح, فرجع إلى الحسين قائلاً: يا بن رسول الله أوفيت بعهدي فقال الحسين:

نعم أنت أمامي في الجنة, فابلغ رسول الله عني السلام وأخبره أني في الأثر.

قرظة والد عمرو, من كبار أصحاب أمير المؤمنين, وقد اشترك في سنة 20 هـ مع أبي موسى في فتح الري, وكان مع أمير المؤمنين في صفين, فجعله الإمام على الأنصار.

وعمرو بن قرظة هو الذي أرسله الحسين في اليوم التاسع من المحرم إلى عمر بن سعد وطلب منه الاجتماع. وعندما اجتمع الحسين بعمر بن سعد طلب منه التخلي عن ابن زياد فاعتذر عمر بن سعد بأنه يخشى من ابن زياد أن يهدم داره بالكوفة. فعرض له عمرو بن قرظة في أرجوزته:

(دون حسين مهجتي وداري). وفي يوم عاشوراء كان مرافقاً للحسين لا يفارقه فكلما توجه إلى الحسين سهم أو رمح أسرع عمرو بن قرظة فاتقاه بنفسه فلم يصب الحسين بجراح إلا بعد أن قتل عمرو.}

29- السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي.{ حبيب بن مظاهر الأسدي.

لما هم الحسين بالصلاة ظهر يوم عاشوراء التفت إلى أصحابه قائلاً:

سلوهم أن يكفوا عنا.

فقال الحصين بن تميم: إنها لا تقبل.

فقال حبيب بن مظهر: زعمت أنها لا تقبل من آل رسول الله, وتقبل منك يا حمار؟

فحمل عليه الحصين فضرب حبيب وجه فرسه بالسيف فشبت به ووقع عنه فاستنقذه أصحابه وحملوه, وقاتلهم حبيب قتالاً شديداً, وهو يرتجز:

أقسم لو كنا لكم أعداداً***أو شطركم ولستم إلا كسادا

يا شر قوم حسباً وآدا

وبقي يقاتل والقوم بين من يكره قتاله وبين من يشجع عليه وهو يقول:

أنا حبيب وأبي مظهره***فارس هيجاء وحرب تسعر

أنتم أعد عدة وأكثر***ونحن أوفى منكموا وأصبر

ونحن أولى حجة وأظهر***حقاً وأتقى منكم وأعذر

فقتل - على كبر سنه - اثنين وستين رجلاً, فحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه وطعنه آخر من تميم برمحه فسقط إلى الأرض فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسيف على رأسه فسقط لوجهه ونزل إليه التميمي واحتز رأسه.

فهد مقتله الحسين فقال:

عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي. واسترجع كثيراً.

ولما جيء إليه بجثمان حبيب قال:

لله درك يا حبيب فلقد كنت فاضلاً تختم القرآن بليلة.

ولقد كان حبيب بن مظاهر من جملة خواص أصحاب أمير المؤمنين وكان من حملة علوم أهل البيت (أي يعرف علوم المنايا والبلايا).

الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال ج1 ص362: روي أن حبيب بن مظاهر التقى ميثم التمار فقال له: كأني أرى شيخاً أصلعاً جسمياً بطيناً يبيع البطيخ عند دار الرزق: (أي محل بيع الخضار) يلقى عليه القبض فيصلب لحبه أهل بيت نبيه يشق بطنه على المشنقة.

وكان يعرض ذلك إلى مصير ميثم التمار.

فقال له ميثم:

وكأني بشيخ يخرج لنصرة ابن بنت نبيه فيقتل ويعلق قاتله رأسه على عنق فرسه كلما مشى الفرس ضربه بركبتيه.

وكان يعرض بهذا إلى مصير حبيب بن مظاهر.

وكان حبيب ومسلم بن عوسجة وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر وجابر بن عروة الغفاري من جملة صحابة رسول الله الذين قتلوا في كربلاء باستثناء هاني بن عروة الذي قتل في الكوفة مع مسلم بن عقيل.

وكان حبيب من أفضل الزهاد والعباد وقد ذكره كميت الأسدي بقوله:

سوى عصبة فيهم حبيب معفر***قضى نحبه والكاهلي مرحل.

ومواقفه في الكوفة إلى جانب مسلم بن عقيل وفي كربلاء إلى جانب الحسين معروفة يكفي أن الحسين - لما عبأ جيشه للقتال - جعله على الميسرة.

ولما حمل الشمر على ميسرة الحسين ثبت له حبيب ومن معه حتى أعادوهم إلى أعقابهم.

الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال ص361: لما قتل التميمي حبيب بن مظاهر قال الحصين: إني شاركت في قتل حبيب فناولني رأسه حتى أعلقه على عنق جوادي ليعلم الناس أني شاركت في قتله, فدفع إليه التميمي برأس حبيب فعلقه على عنق فرسه وجال به بين الصفوف ثم أعاده إلى التميمي فعلقه على عنق فرسه ودخل به الكوفة إلى دار الأمارة, فرآه قاسم بن حبيب بن مظاهر - وكان غلام مراهقاً - فجعل يمشي خلف التميمي فالتفت إليه التميمي وقال له: ما تريد يا غلام فقال قاسم: هذا رأس أبي ناولني إياه حتى أدفنه. فقال التميمي: أريد الجائزة من الأمير وهو لا يرضى بذلك. فقال قاسم: ولكن الله لا يجزيك إلا شر جزاء.

وبقي قاسم يراقب التميمي حتى اقتص منه فقتله في حملة مصعب بن الزبير.}

30- السلام على الحر بن يزيد الرياحي.{ الحر بن يزيد الرياحي وهو بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب الردف بن مي بن رياح يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وقيل لـ(عتاب): الردف، لأن الملوك تردفه..

بعدما قتل حبيب بن مظاهر الأسدي، خرج الحر بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين يحني ظهره فقاتلا ساعة، وأن فرس الحر لمضروب على أذنيه وحاجبيه والدماء تسيل منه وهو يتمثل بقول عنترة بن شداد العبسي:

ما زلت أرميهم بثغرة نحره***ولبانه حتى تسربل بالدم

ثم فرق الجيش بينهما، فجعل الحر يقاتل وحده ويرتجز:

إني أنا الحر ومأوى الضيف***أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حل بأرض الخيف***أضربكم ولا أرى من حيف

فقال الحصين بن تميم ليزيد بن سفيان: هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله. قال يزيد: نعم. وخرج إليه يطلب المبارزة، فما أسرع أن قتله الحر، ثم رمى أيوب بن مشرح الخيواني فرس الحر بسهم فعقره وشب به الفرس، فوثب عنه كأنه ليث، وبيده السيف وجعل يقاتل راجلاً حتى قتل نيفاً وأربعين وهو يقول:

إن تعقروا بي فأنا ابن الحر***أشجع من ذي لبد هزبر

فجعل الناس يهزمون من بين يديه وهو يطاردهم ويقول:

آليت لا أقتل حتى أقتلا***ولن أصاب اليوم إلا مقبلا

أضربهم بالسيف ضرباً مقصلا***لا ناكلاً منهم ولا معللا

ثم شدت عليه الرجالة فصرعته وحملته أصحاب الحسين ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه - وهكذا يؤتى بكل قتيل إلى ذلك الفسطاط والحسين يقول:

قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيين.

فلما أتي بالحر وكان به رمق التفت إليه الحسين وجعل يمسح الدم عنه ويقول:

أنت الحر كما سمتك أمك, وأنت الحر في الدنيا وفي الآخرة.

ورثاه رجل من أصحاب الحسين وقيل علي بن الحسين وقيل الحسين نفسه بالبيتين التاليين:

لنعم الحر حر بني رياح***صبور عند مشتبك الرماح

ونعم الحر إذ فادى حسيناً***وجاد بنفسه عند الصباح

ولقد كان الحر من محتد كريم وكانت له سوابقه في الكوفة, ولكن لما حدث الانقلاب في الكوفة ولم يجد مهرباً من التعاون مع ابن زياد دون أن يفقد مكانته الاجتماعية كزعيم قومه غره الشيطان فانقاد لابن زياد, فأرسل إليه ابن زياد ليخرج على رأس ألف فارس لإلقاء القبض على الحسين وهو في طريقه إلى الكوفة فخرج الحر وهو يعلم أنه خارج عن دينه وإمام زمانه فسمع هاتفاً يسمع صوته ولا يرى شخصه: أبشر يا حر بالجنة. فقال الحر في نفسه: ويل للحر يبشر بالجنة وهو يسير إلى الحرب ابن بنت رسول الله.

وما عرف الحر أن مصيره سيكون مع الحسين على ابن زياد.

ومن الجانب الآخر كان الحسين يغادر بطن العقبة إلى شراف (شراف اسم رجل استخرج عيناً على ميلين من واقصة ثم كثرت حولها الآبار ماؤها عذب) وعند السحر أمر الحسين فتيانه أن يسقوا من الماء ويكثروا, وفي نصف النهار سمع رجلاً من أصحابه يكبر فقال الحسين: لم كبرت؟ قال رأيت النخل. فأنكر من معه أن يكون بهذا الموضع نخل وإنما هو أسنة الرماح وآذان الخيل. فقال الحسين: وأنا أراه كذلك. ثم سألهم عن ملجأ يلجئون إليه فقالوا هذا ذو حُسَم (بضم الحاء المهملة وفتح السين, جبل كان النعمان بن المنذر يصطاد به).

فطلع عليهم الحر بن يزيد الرياحي مع ألف فارس بعثه ابن زياد ليحبس الحسين عن الرجوع إلى المدينة أينما يجده أو يقدم به إلى الكوفة.

فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين في حر الظهيرة وهم يتهالكون عطشاً فلما رأى الحسين ما بالقوم من عطش أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشفوا الخيل فسقوهم وخيولهم عن آخرهم. ثم أخذوا يملأون القصاع والطساس ويدنوها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت وسقي آخر حتى سقوا الخيل كلها.

وكان علي بن الطعان المحاربي مع الحر فجاء آخرهم وقد أضر به العطش فقال له الحسين: أنخ الراوية (الراوية في لغة الحجاز هي الجمل, وفي لغة الكوفة هي القربة) فلم يفهم مراده فقال له الحسين: أنخ الجمل. ولما أراد أن يشرب جعل الماء يسيل من السقاء: فقال له الحسين: أخنث السقاء. فلم يدري ما يصنع فقام الحسين وعطف السقاء حتى ارتوى وسقى فرسه.

ثم أن الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن معذرة إلى الله عز وجل وإليكم, وإني لم آتكم حتى أتتني كتبكم, وقدمت بها علي رسلكم: أن أقدم علينا فإنه ليس لنا إمام, ولعل الله يجمعنا بك على الهدى, فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم, فأعطوني ما اطمئن به من عهودكم ومواثيقكم, وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.

فسكتوا جميعاً.

وأذن الحجاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر فقال الحسين للحر: أتصلي بأصحابك؟ قال: لا بل نصلي جميعاً بصلاتك. فصلى بهم الحسين.

وبعد أن فرغ من الصلاة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه, وصلى على النبي محمد وقال: أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله, ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر, من هؤلاء المدعين ما ليس لهم, والسائرين بالجور والعدوان. وإن أبيتم إلا الكراهية لنا والجهل بحقنا, وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم انصرفت عنكم. فقال الحر: ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها. فأمر الحسين عقبة بن سمعان فأخرج خرجين مملوءين كتباً.

قال الحر: إني لست من هؤلاء. وإني أمرت أن لا أفارقك إذ لقيتك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك. وأمر أصحابه بالركوب. وركبت النساء, فحال الحر بينهم وبين الانصراف إلى المدينة. فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك ما تريد منا؟

قال الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال ما تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان, والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه. ولكن خذ طريقاً نصفاً بيننا, لا يدخلك الكوفة, ولا يردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد, فلعل الله, أن يرزقني العافية, ولا يبتليني بشيء من أمرك. إني أذكرك الله في نفسك, فإني أشهد لأن قاتلت لتقتلن. فقال الحسين:

أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرت رسول الله وآله:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى***إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

وواس الرجال الصالحين بنفسه***وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم***كفى بك ذلاًّ أن تعيش وترغما

فلما سمع الحر هذا منه تنحى عنه. فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية والحر ومن معه في ناحية حتى بلغ البيضة (وهي أرض واسعة لبني يربوع بن حنظلة ما بين واقصة إلى عذيب الهجانات) فوقف الحسين في أصحاب الحر وقال - بعد الحمد لله والثناء عليه -:

أيها الناس إن رسول الله قال. (من رأى سلطاناً جائراً, مستحلاً لحرم الله, ناكثاً عهده, مخالفاً لسنة رسول الله, يعمل في عبادة الله بالإثم والعدوان, فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله).

ألا وإن هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن, وأظهروا الفساد, وعطلوا الحدود, واستأثروا بالفيء, وأحلوا حرام الله, وحرموا حلاله.

وأنا أحق ممن غير. وقد أتتني كتبكم, وقدمت علي رسلكم ببيعتكم, أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني, فإن أتممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم, فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله, نفسي مع أنفسكم, وأهلي مع أهليكم, ولكم في أسوة وإن لم تفعلوا, ونقضتم عهدكم, وخلعتم بيعتي من أعناقكم, فلعمري ما هي لكم بنكر, لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم, فالمغرور من اغتر بكم, فحظكم أخطأتم, ونصيبكم ضيعتم. ومن نكث فإنما ينكث على نفسه, وسيغني الله عنكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي يوم عاشوراء لما سمع الحر خطب الحسين وأصحابه أقبل على عمر بن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح فيه الأيدي. قال: ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟ فقال: لو كان الأمر إلي لقبلت ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه الحر ووقف مع الناس. وكان إلى جنبه قرة بن قيس فقال لقرة: هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا, قال: فهل تريد أن تسقيه - فظن قرة من ذلك أنه يريد الاعتزال, ويكره أن يشاهده - فتركه قرة فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلاً, فقال له مهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟ فسكت, وأخذته الرعدة, فارتاب مهاجر من هذه الحال, وقال له: لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أراه منك؟ فقال الحر: إني أخيّر نفسي بين الجنة والنار, والله لا أختار على الجنة شيئاً, ولو أحرقت.

ثم ضرب جواده نحو الحسين منكساً رمحه, قالباً ترسه, وقد طأطأ برأسه حياءً من آل الرسول مناجياً ربه:

اللهم إليك أنيب فتب علي, فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك.

ثم توجه نحو الحسين قائلاً: يا أبا عبد الله إني تائب فهل من توبة؟

فقال الحسين: نعم, يتوب الله عليك. فسرّه قوله.

فقال للحسين: لما خرجت من الكوفة نوديت: أبشر يا حر بالجنة. فقلت: ويل للحر يبشر بالجنة وهو يسير إلى حرب ابن بنت رسول الله.

فقال له الحسين: لقد أصبت خيراً وأجراً.

وكان مع الحر غلام تركي انتقل معه إلى معسكر الحسين.

ثم استأذن الحسين في أن يكلم القوم, فأذن له, فنادى بأعلى صوته:

يا أهل الكوفة: لأمكم الهبل والعبر, إذ دعمتموه وأخذتكم بكظمه, وأحطتم به من كل جانب, فمنعتموه التوجه إلى بلاد الله العريضة, حتى يأمن وأهل بيته, وأصبح كالأسير في أيديكم, لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, وحلأتموه ونسائه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري, الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس, وتمرغ فيه الخنازير السواد وكلابه: وهاهم قد صرعهم العطش. بئسما خلفتم محمداً في ذريته, لا سقاكم الله يوم الظمأ.

فحملت عليه رجاله ترميه بالنبل, فتقهقر حتى وقف أمام الحسين.}

31- السلام على عبد الله بن عمير الكلبي.{ عبد الله بن عمير الكلبي.

بعد الحملة الأولى كان عبد الله بن عمير أول من بارز واستشهد.

فقد برز يسار مولى زياد بن أبيه، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فطلبا البراز، فوثب حبيب وبرير، فلم يأذن لهما الحسين، فقام عبد الله بن عمير واستأذن، فأذن له الحسين وقال: أحسبه للأقران قتالاً. فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير، وكان يسار قريباً منه، فقال له: يا بن الزانية أوَ بك رغبة عن مبارزتي؟ ثم شد عليه بسيفه يضربه، وبينا هو مشتغل به إذ شد عليه سالم، فصاح أصحابه: قد رهقك العبد. فلم يعبأ به، فضربه سالم بالسيف، فاتقاها عبد الله بيده اليسرى فأطار أصابعه، ومال عليه عبد الله فقتله، ثم أقبل الحسين وهو يرتجز:

إن تنكروني فأنا ابن كلب***حسبي ببيتي في عليم حسبي

إني امرؤ ذو مره وعصب***ولست بالخوار عند النكب

وأخذت زوجته أم وهب بنت عبد لله من النمر بن قاسط عموداً وأقبلت نحوه تقول له:

فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأراد أن يردها إلى الخيمة، فلم تطاوعه، وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول: لن أدعك دون أن أموت معك.

فناداها الحسين: جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً. ارجعي إلى الخيمة، فإنه ليس على النساء قتال. فرجعت.

وعبد لله بن عمير الكلبي من (بني عليم) وكنيته أبو وهب، وكان طويلاً شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، شريفاً في قومه، شجاعاً مجرباً.}